أبي منصور الماتريدي

405

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فتخرج قبل وقتها ؛ لما تعاين من كرامات الله تعالى وما ينتشر « 1 » من الخير ؛ يؤيد هذا ما روي عن رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر » « 2 » . وقيل : ذلك عند موتة المؤمن إذا حضره الموت صار في ذلك الوقت كالمسجون الذي يتمنى الراحة والخلاص منه ؛ لأنه يرى ما أعد له من الثواب ؛ فتتهوع نفسه تود لو خرجت حتى تصل إلى ما أعد لها من الكرامة ، والكافر إذا رأى عندما حضر جعل يبتلع نفسه ؛ كراهة أن يخرج ، فتصير الدنيا في ذلك الوقت كالجنة له فيما لا يحب مفارقتها من شدة ما يرى من عذاب الله تعالى . وعلى هذا قيل في تأويل قوله - عليه السلام - : « من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه » « 3 » : إن ذلك عند الموت [ أن المؤمن إذا حضره الموت ] « 4 » ورأى ثوابه من الجنة ، ود أن تخرج نفسه ؛ فيحب لقاء الله تعالى ، ويحب الله لقاءه ، والكافر يكره في ذلك الوقت أن تخرج نفسه ، فذلك حين كره لقاء الله ، وكره الله لقاءه ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً ، قالوا جميعا : المراد منها الملائكة الموكلون بأمور الخلق وأرزاقهم ، ونحو ذلك ، والله أعلم . ثم اختلف في الذي قصد إليه باليمين والقسم : فمنهم من ذكر أن الذي وقع عليه « 5 » القسم قوله - عزّ وجل - : أَ إِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ على معنى : إنكم مبعوثون ، وأن القيامة حق ، فكأنه أقسم بهذه الأشياء أنهم لمبعوثون ، وأضمر الجواب هاهنا ؛ لما دل عليه المعنى ؛ فاكتفى به . ومنهم من ذكر أن القصد من اليمين قوله : يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ . تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ، فأقسم بما ذكر أن النفختين كائنتان : فالنفخة الأولى يموت بها الخلق ، والنفخة الثانية ؛ لإحياء الأموات ، والراجفة « 6 » هي النفخة ، فجائز أن يكون على حقيقة النفخة ؛ فتكون النفخة علامة الموت والحياة ، لا أن تكون علة « 7 » الإماتة والإحياء .

--> ( 1 ) في ب : يتسير . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 4 / 2272 ) كتاب الزهد ( 1 / 2956 ) . ( 3 ) تقدم . ( 4 ) في ب : إن الموت إذا حضر . ( 5 ) في ب : عليهم . ( 6 ) في ب : والرجفة . ( 7 ) في أ : علامة .